ابن خلدون
418
تاريخ ابن خلدون
أعواما تباعا ثم خرج لبعض مذاهبه إلى بونة وترك أخاه أبا العباس بها فخلعه واستبد بالأمر وخرج إلى العساكر المجمرة عليها من بنى مرين فهزمهم وأثخن فيهم ونهض السلطان إليه من فاس سنة ثمان وخمسين فتبرأ منه أهل البلد وأسلموه فبعثه إلى سبتة في البحر واعتقله بها حتى إذا ملك السلطان أبو سالم سبتة عند اجازته من الأندلس سنة ستين أطلقه من الاعتقال وصحبه إلى دار ملكه ووعده برد بلده عليه فلما ولى أبو زيان على تلمسان أشار عليه خاصته ونصحاؤه بأن يبعث هؤلاء الموحدين إلى ثغورهم فبعث أبا عبد الله إلى بجاية وقد كان ملكها عمه أبو إسحاق صاحب تلمسان ومكفول بن تافراكين من يد بنى مرين وبعث أبا العباس إلى قسنطينة وبها زعيم من زعماء بنى مرين وكتب إليه السلطان أبو سالم أن يفرج له عنها فملكها لوقته وسار الأمير أبو عبد الله إلى بجاية فطال اجلابه عليها ومعاودته حصارها وألح أهلها في الامتناع منه مع السلطان أبى اسحق وقد كان لي المقام المحمود في بعث هؤلاء الأمراء إلى بلادهم وتوليت كبر ذلك مع خاصة السلطان أبى سالم وكتاب أهل مجلسه حتى تم القصد من ذلك وكتب لي الأمير أبو عبد الله بخطه عهدا بولاية الحجابة متى حصل على سلطانه ومعنى الحجابة في دولنا بالمغرب الاستقلال بالدولة والوساطة بين السلطان وبين أهل دولته لا يشاركه في ذلك أحد وكان لي أخ صغير اسمه يحيى أصغر منى فبعثه مع الأمير أبى عبد الله حافظا للرسم ورجعت مع السلطان إلى فاس ثم كان ما قدمته من انصرافي إلى الأندلس والمقام بها إلى أن تنكر الوزير ابن الخطيب وأظلم الجو بيني وبينه وبينما نحن في ذلك وصل الخبر باستيلاء الأمير أبى عبد الله على بجاية من يد عمه في رمضان سنة خمس وستين وكتب لي الأمير أبو عبد الله يستقدمني فاعتزمت على ذلك ونكر السلطان أبو عبد الله بن الأحمر ذلك منى لا لظنه سوى ذلك إذ لم يطلع على ما كان بيني وبين الوزير ابن الخطيب فأمضيت العزم ووقع منه الاسعاف والبر والالطاف وركبت البحر من مرسى المرية منتصف ست وستين ونزلت بجاية لخامسة من الاقلاع فاحتفل السلطان صاحب بجاية لقدومي وأركب للقائي وتهافت أهل البلد على من كل أوب يمسحون أعطافي ويقبلون يدي وكان يوما مشهودا ثم وصلت إلى السلطان فحيا وفدى وخلع وحمل وأصبحت من الغد وقد أمر السلطان أهل الدولة بمباكرة بابي واستقللت بحمل ملكه واستفرغت جهدي في سياسة أموره وتدبير سلطانه وقدمني للخطابة بجامع القصبة لا انفك عن ذلك ووجدت بينه وبين ابن عمه السلطان أبى العباس صاحب قسنطينة فتنة أحدثتها المشاحة في حدود الاعمال من الرعايا والعمال وشبت نار هذه الفتنة بعرب أوطانهم من الزواودة من رياح تنفيقا لسوق الزبون يميرون به أموالهم فكانوا في أهم شقة بجمع بعضهم